الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

451

مختصر الامثل

طريق الحق والعدل ، فكانت رحمة اللَّه أقرب إلى نبيّه فصانته من كيد المنافقين ، حيث تقول الآية : « وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ » . لقد سعى أولئك المنافقون - من خلال اتهامهم لشخص بريء وجرّ النبي وتوريطه في هذه الحادثة - إلى إلحاق ضربة بشخصية النبي صلى الله عليه وآله الاجتماعية والمعنوية أوّلًا ، وتحقيق مآربهم الدنيئة بحق إنسان مسلم بريء ثانياً ، ولكن اللَّه العزيز العليم كان لهم بالمرصاد ، فصان نبيّه صلى الله عليه وآله من تلك المؤامرة وأحبط عمل المنافقين . بعد ذلك تذكر الآية أنّ هؤلاء القوم إنّما يرمون بأنفسهم في الضلالة ولا يضرّون بعملهم النّبي صلى الله عليه وآله شيئاً ، إذ تقول : « وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ » . وأخيراً توضح الآية سبب عصمة النبي عن الخطأ والزلل والذنب ، فتذكر أنّ اللَّه أنزل على نبيّه الكتاب والحكمة وعلمه ما لم يكن يعلم من قبل : « وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ » . ثم تردف الآية ذلك بجملة : « وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا » . وقد ورد في آخر الآية دليل من الأدلة الأساسية لقضية العصمة بشكل مجمل ، وهذا الدليل هو قوله تعالى أنّه علم نبيّه من العلوم والمعارف التي يكون النبي في ظلها مصوناً من الوقوع في أي خطأ أو زلل ، ولأنّ العلم والمعرفة تكون نتيجتهما في المرحلة النهائية حفظ الإنسان من ارتكاب الخطأ . لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ( 114 ) النجوى أو الهمس : لقد أشارت الآيات السابقة إلى اجتماعات سرية شيطانية كان يعقدها بعض المنافقين أو أشباههم ، وقد تطرقت الآية الأخيرة إلى هذا الأمر بشيء من التفصيل ، وكلمة « النجوى » لا تعني الهمس فقط ، بل تطلق على كل اجتماع سري أيضاً . والآية هنا تذكر أنّ أغلب الاجتماعات السرّية التي يعقدها أولئك تهدف إلى غايات شيطانية شريرة لا خير فيها ولا فائدة ، إذ تقول : « لَّاخَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَيهُمْ » . ولكي لا يحصل وهم من أنّ كل نجوى أو همس أو اجتماع سرّي يعتبر عملًا مذموماً أو